الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح

76

سبك المقال لفك العقال

إلى الخلق من دائرة العلم والإرادة التي هي من عالم الملكوت إلى دائرة الملك والشهادة ، فهمة يوسف عليه السلام بزليخا إنما كانت من عالم الملكوت ؛ لأنه عاين في تلك الدائرة ملكا له ، وبقي الوقت مرتبطا بعالم الملك والشهادة ، الذي لم يبلغ وقته ؛ فظهر له جبريل - عليه السلام - الذي هو من ظاهر الملكوت في صورة والده الذي هو من عالم الملك عاضا على إصبعه برهانا ليقع التناسب بين العوالم بعضها ببعض ؛ فسجن في دائرة العلم والإرادة حتى يبلغ الوقت في عالم دائرة الملك والشهادة ، ولما وقع في السجن بالأمر الإلهي في دائرة الملكوت ، نسي يوسف السجن هنا في دائرة الملك والشهادة على مقتضى الترتيب الحكمي ، والأمر الشرعي ، وليس من شأن الأنبياء التعرض للبلاء ، وإنما شأنهم طلب العافية والرضى ، وهمة زليخا إنما كان باطنها محبة أزلية ، وظاهرها شهوانية ، فانحجبت عن المحبة الأزلية بالشهوة الطبيعية ، ولذلك قالت : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ « 1 » ، فكلامها ظاهر وباطن ، فظاهره خطاب للعزيز لأنها من أهله ، وأن يوسف - عليه السلام - أراد بها السوء ، وباطنه في الحقيقة خطاب للحق وكأنها قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن ؛ لأن يوسف - عليه السلام - في الحقيقة من أهل اللّه ، وهي التي أرادت به السوء لغلبة محبة الطبيعة على المحبة الأزلية ؛ فسجن العزيز يوسف ، وسجن الحق زليخا في سجن العمى ، إذ حقيقة السجن عدم التصرف في الأشياء ، إلا أنه لما كان الأصل صحيحا في العالم الملكوتي خرج يوسف من سجن الحبس وخرجت زليخا من سجن العمى ، وعادت إلى صورتها التي رآها عليها ، ووقع الاتفاق بين دائرة العلم والإرادة ، ودائرة الملك والشهادة ، ودخل بها وطلبها في نفسها فأبت عليه ، وفرّت بين يديه حتى جذبها وقد القميص عليها من دبر ، ونودي يا يوسف جذبة بجذبة وهرب بهرب ، وتمزيق بتمزيق ، وكان سبب نفورها منه أنها رأت برهان ربها ، وهو رجوعها إلى صورتها الأولى ، البصر بعد العمى والغنى بعد الفقر ؛ فهوت إلى محبة اللّه - عزّ

--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 25 .